ماذا يفعل المثقِّف العمالي فى معرض الكتاب

بقلم: طارق أحمد مصطفى

تُعقد في مصر مناسبة مهمة ينتظرها جموع المعنيون بالثقافة والمعرفة من العام للعام، ويحتشد لها الأفراد والأسر ومجموعات الأصدقاء من مصر والعالم العربي، من الطلبة والكتّاب والمعلمين والمثقفين وهواة القراءة. ويعتبرها الكثيرون بمثابة عيد للثقافة، حيث أنها بلا منازع هي الحدث الثقافي الأهم فى مصر، ألا وهي “معرض القاهرة الدولي للكتاب”، الذي يبدأ فاعلياته هذا العام اعتباراً من الأربعاء 23 يناير وحتى الثلاثاء 5 فبراير 2019، حيث يواكب هذا العام الاحتفال باليوبيل الذهبي للمعرض الذي يصنف كثاني أكبر معرض فى العالم، كما ينتقل المعرض لأول مرة من أرض المعارض المعروفة فى حي مدينة نصر بالقاهرة إلى أرض المعارض الجديدة بمنطقة التجمع الخامس بالقاهرة الجديدة، وقد خصصت الدولة بهذه المناسبة العديد من وسائل المواصلات المتاحة لتسهيل انتقال زوار المعرض إلى هذا الموقع الجديد.
ومثلهم مثل غيرهم من المعنيين بمجالات الثقافة والمعرفة المختلفة – فإنه من المتوقع أن يستعد المعنيون بحقل الثقافة العمالية من الباحثين والمدربين والدارسين والنقابيين لهذا الحدث الثقافي الهام، سواء بحضور الفاعليات والندوات التى تهتم بهذا الحقل الثقافي الهام أو تتماس معه إن وجدت، أو بالبحث عن الإصدارات العامة والمتخصصة التى يحتاجونها، أو بطرح إصدارات جديدة تثري المكتبة العمالية – والتى وللأسف لا تعيش أزهى عصورها فى هذه المرحلة الفقيرة جداً في الإنتاج المعرفي العمالي.
ومن خلال انتمائي لحقل الثقافة العمالية، ولكوني أحد مرتادي معرض الكتاب المنتظمين، فقد رصدت كما رصد غيري عبر السنوات الماضية الاختفاء شبه الكامل للثقافة العمالية من مشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب بل ومن المشهد الثقافي بوجه عام، فلا أثر لإنتاج معرفي يقدمه المعنيون بالثقافة العمالية، ولا فاعليات ثقافية محترمة يتفاعل معها الوسط الثقافي، الذي يكاد يكون هذا الحقل مجهولاً بالنسبة لغالبية المنتمين إليه، فالثقافة العمالية قد اقتصرت منذ فترة ليست بالقصيرة على مجموعة البرامج التدريبية النوعية القصيرة التى تستهدف التحسين من بعض مهارات النقابيين بشكل أو بآخر، ومساعدتهم فى إيجاد حلول لبعض المشكلات الفنية والقانونية والإدارية التى تواجههم، دون تقديم أي جهد بحثي معتبر، أو تنظير فكري مواكب للعصر، كما كان عليه الحال قديماً، ولا يزال ما قدمته المكتبة العمالية فى عصرها الذهبي شاهداً على ذلك.
ولعل الحديث عما آل إليه حال الثقافة العمالية بصفة عامة يحتاج لبحث مطول لا تسعه هذه المقالة القصيرة، ولكني هنا أحب أن أشير إلى أكثر ما يزعجني في هذه الحالة المخجلة التى وصل إليها هذا الحقل بمن فيه، ألا وهو قلة العناية البالغة لفئة من نطلق عليهم “المثقِّفين العماليين” بالقراءة والاطلاع والبحث، واكتفاءهم بالحصول على قشور من المعرفة السطحية المتناثرة على مواقع الإنترنت، والتى لم تُعد خصيصاً لأغراض التثقيف العمالى، دون منهجية أو عمق أو عناية بالتفاصيل والتفريعات والتقاطعات المعرفية، أو الاكتفاء بالاستعانة ببعض الأدلة التدريبية المعدة للدارس وليس للمتخصص لذلك فلا تقدم إلا القليل، أقول ذلك وأنا واحد من هذه الفئة، ولا أبرئ نفسي.
إننا نحن المعنيون بثقافة العمال ووعيهم، في حالة ماسة لتثقيف أنفسنا وتوعيتها أولاً حتى نتلمس مواضع أقدامنا في تلك المهمة الثقيلة الملقاة على عاتقنا، فى حاجة ماسة للاشتباك والتفاعل مع الأطروحات المختلفة التى تمس الطبقة العاملة على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي والأدبي والتكنولوجي والقانوني، وعلى المستوى المحلي والدولي، التاريخي والواقعي والمستقبلي، حتى نستطيع أن نقدم للعمال عصارة فكر عمالي أصيل نابع من احتياجاتهم الحقيقية.
وإذا كنا نتكلم ونحن على أبواب معرض الكتاب، فإن المثقِّف أو المعلم أو المدرب أو الباحث العمالي عليه أن يتوجه إلى هذا المعرض ويتجول بين أروقته وفي ذهنه أن يأسس لنفسه مكتبة تحتوي على زاد معرفي ثري وكافي لتأصيل معارفه وتطوير أدواته وتوسيع رؤيته، فحتى وإن كان الواقع الحالي يتسم بالضحالة والركاكة فإنه لا ينبغي لهذا “المثقِّف العمالي” أن يستسلم لهذه الحالة، وعليه أن يعي أن دوره فى الحقيقة أن يأخذ بيد أبناء هذه الطبقة العاملة ويرتقي بوعيهم وطموحهم، ليؤهلهم للمشاركة في صناعة مستقبل أكثر عدالة وإنصافاً لهم ولزملاءهم وأبناءهم، عليه أن يعي أنه ربما يكون هو حائط الصد الأخير للدفاع عن هذه الطبقة التي يراهن الكثيرون على سذاجتها وهشاشتها.
لذلك عندما تتوجه زميلي “المثقِّف المثقَّف” إلى فاعلية ثقافية هامة كمعرض الكتاب بهذا الوعي فإنك بالضرورة ستبحث في أرفف المكتبات بعين المتخصص لا عين الهاوي، وستتفاعل مع جموع المثقفين بالندوات والموائد المستديرة أو بالحوارات الخاصة بصفتك عضواً فاعلاً بالوسط الثقافي لا دخيلاً عليه، وستجعل – من ثَم – القضايا العمالية أكثر حضوراً في مثل هذه الفعاليات، كما سيجعلك ذلك ترصد الفجوات المعرفية التى تحتاجها المكتبة العمالية فربما يحثك ذلك على المبادرة بتقديم أطروحاتك وكتابتك الخاصة لتملأ هذه الفجوات، فربما مع الوقت يصير جيلنا من “المثقِّفين” امتداداً لجيل الرواد من المنظرين والكتاب والباحثين الذين دفعت كتاباتهم العمال وقضاياهم من الهامش إلى بؤرة التأثير